16/01/2025
دولة رئيس الحكومة المكلف الأستاذ نواف سليم المحترم،
تحية طيبة وبعد،
أكتب إليكم هذه الرسالة كمواطن لبناني، هاروت كوسايان، يشهد بمرارة على ما وصل إليه وطننا الحبيب من تدهور اقتصادي واجتماعي وسياسي. أنا واحد من ملايين اللبنانيين الذين حملوا حلم العيش في دولة تحترم كرامة مواطنيها، تؤمن العدالة الاجتماعية، وتضع مستقبل الأجيال فوق الحسابات الضيقة.
لقد وصل لبنان إلى مرحلة لا تحتمل التأجيل ولا المماطلة. الانهيار الذي نعيشه اليوم ليس صدفة، بل نتيجة تراكم عقود من السياسات الفاشلة، المحاصصات الطائفية، وغياب رؤية وطنية حقيقية. لذلك، أتوجه إليكم بهذه الرسالة لطرح أفكار تُساهم في إنقاذ هذا الوطن المنهك وإعادة بناء الدولة على أسس سليمة.
أولًا: أهمية الحفاظ على المكون المسيحي ودوره في لبنان
لبنان ليس كغيره من دول المنطقة، فهو أكثر من مجرد وطن؛ هو رسالة حضارية للعالم أجمع. ويشكل المكون المسيحي فيه ركيزة أساسية للتنوعية الثقافية والدينية التي تميز لبنان عن سائر دول الشرق الأوسط. إن وجود المسيحيين في لبنان ليس فقط مسألة عددية أو طائفية، بل هو جوهر الهوية اللبنانية كأرض للعيش المشترك، وقلب نابض بالحرية والتعددية.
لبنان، الذي نُطلق عليه “أرض الرب”، يحمل في طياته رسالة محبة وسلام، وهو نقطة التقاء بين الشرق والغرب. وجود المكون المسيحي فيه يضفي الحيوية الثقافية والفكرية، ويجعل لبنان نموذجًا يحتذى به في الديمقراطية والانفتاح على العالم.
إن لبنان اليوم بحاجة إلى إعادة حقوق المكون المسيحي الذي شكل لقرون طويلة أساس وجود هذا الوطن المتنوع. إن الحفاظ على هذا المكون، وتعزيز دوره في بناء الدولة، ليس مسؤولية وطنية فحسب، بل واجب تاريخي تجاه العالم أجمع، حيث إن لبنان يُمثل “أيقونة” الشرق الأوسط التي يجب أن تظل مشرقة بنورها وحضارتها.
ثانيًا: تقليص عدد النواب في المجلس النيابي
إن بلدًا بحجم لبنان لا يحتاج إلى 128 نائبًا. في ظل الأزمات المالية الحادة، يصبح من الضروري التفكير جديًا في تقليص عدد النواب إلى 60 أو 68 نائبًا فقط. هذا الإجراء سيؤدي إلى:
• تخفيف النفقات العامة في بلد يعاني من عجز هائل في ميزانيته.
• تعزيز كفاءة العمل التشريعي من خلال تقليل عدد الأعضاء وتركيز الجهود على الدور الرقابي والتشريعي بدلًا من تضخيم الخلافات السياسية.
• الحد من تأثير المحاصصة الطائفية التي أثبتت فشلها في إنتاج الحلول.
ثالثًا: إصلاح اتفاق الطائف وتطبيقه بجرأة
لقد كان اتفاق الطائف فرصة لإرساء دعائم العيش المشترك وإنهاء الحرب، لكنه لم يُطبّق بحذافيره. بدلًا من أن يكون الطائف بوابة للإصلاح، أصبح إطارًا شكليًا يُستخدم لتكريس المحاصصة وتقاسم النفوذ.
• يجب إعادة النظر في بنود الطائف والعمل على تعديله بما يتناسب مع متطلبات الدولة المدنية التي تفصل بين الدين والسياسة، وتُعزز المواطنة كأساس للهوية اللبنانية.
• المساءلة الحقيقية للمسؤولين عن تعطل المؤسسات الدستورية، ومنع أي تعطيل متعمد لمسار تشكيل الحكومات أو العمل التشريعي.
رابعًا: تعزيز دور البلديات في بناء الدولة
إن الدول المتقدمة تعتمد بشكل أساسي على البلديات في قيادة التنمية المحلية. في لبنان، يجب منح البلديات صلاحيات أكبر، ودعمها ماليًا ولوجستيًا، لتكون شريكًا أساسيًا في إعادة بناء البنية التحتية، تطوير الخدمات العامة، وتعزيز المشاركة الشعبية.
• البلديات قادرة على إدارة الملفات المحلية بكفاءة أعلى من المؤسسات المركزية المتضخمة والمشلولة.
• إعطاء البلديات دورًا رئيسيًا في مجالات مثل التعليم، الصحة، والنقل العام يمكن أن يُخفف الضغط على الدولة المركزية.
خامسًا: إصلاح النظام التربوي والاجتماعي
1. التعليم:
• إصلاح النظام التعليمي ليواكب المعايير العالمية ويُركز على مهارات القرن الحادي والعشرين، بما يضمن إعداد أجيال قادرة على المنافسة في سوق العمل العالمي.
• دعم التعليم الرسمي وإعادة تأهيل المدارس الحكومية لتكون جاذبة ومنافسة.
2. الصحة:
• تعزيز نظام الرعاية الصحية العامة وتأمين الضمان الصحي الشامل لجميع اللبنانيين، بدلًا من تركهم ضحية للاستغلال في القطاع الخاص.
3. محاربة الفقر:
• إنشاء برامج وطنية لمحاربة الفقر وتأمين فرص عمل للشباب عبر استثمارات حقيقية في القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة.
سادسًا: إصلاح القضاء ومحاربة الفساد
• استقلال القضاء: تعزيز استقلالية القضاء ليكون عادلًا ونزيهًا، وقادرًا على محاسبة كل من تسبب في هدر المال العام أو ارتكب جرائم بحق الشعب.
• محاربة الفساد: إطلاق حملات شفافة وفعالة لمحاربة الفساد في جميع مؤسسات الدولة، ومحاسبة المسؤولين بغض النظر عن مناصبهم أو انتماءاتهم السياسية.
سابعًا: بناء الدولة الاقتصادية الحديثة
• إعادة هيكلة النظام الاقتصادي ليكون قائمًا على الإنتاج بدلًا من الاعتماد المفرط على الخدمات والديون.
• دعم القطاعات الإنتاجية، وخاصة الزراعة والصناعة، لتأمين اكتفاء ذاتي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
• تفعيل خطط النقل العام لتسهيل حياة المواطنين وتحسين الإنتاجية.
رسالة إلى السياسيين
إلى الطبقة السياسية التي تتصدر المشهد اليوم، أقول: هل يمكنكم النظر في عيون هذا الشعب الذي يعاني الجوع، والمرض، والتهجير، والبطالة؟ هل يمكنكم أن تبرروا سنوات من الفشل والهدر أمام أجيال ستقرأ التاريخ وتحاسبكم يومًا؟
لبنان ليس ملكًا لأحد، بل هو وطن لجميع أبنائه. وإذا كان البعض يظن أن المماطلة والتعطيل والتشبث بالمحاصصة سيحمي مصالحهم، فإن الشعب قد وصل إلى حافة الانفجار.
دولة الرئيس،
لقد حان الوقت لتضرب يدكم على الطاولة، وتفرضوا حلولًا جريئة لإنقاذ لبنان. الوطن بحاجة إلى قادة يؤمنون بالعمل والإصلاح، لا إلى متفرجين على مأساة شعبهم.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير،
هاروت كوسايا